#هنادي_عبداللطيف
، انقبضت قلوب أهل السودان على فاجعة جديدة هزت أركان ولاية نهر النيل. رحلةٌ اجتماعية بسيطة كانت تهدف لتقديم واجب العزاء لآل “ترير”، تحولت إلى مأتمٍ كبير حين ابتلع النهر “مركب رفاس” يقل أكثر من 25 شخصاً بين قريتي طيبة الخواض وديم القراي.
فاجعة الأربعاء: الموت في طريق العودة
في مشهدٍ يدمي القلوب المتهالكة حزنا والما..، عُثر حتى الآن على جثامين 18 شهيداً، رجال و لنساء وا طفال الذين لم يمهلهم التيار فرصة للنجاة. ولا تزال عمليات البحث عن المفقودين جارية وسط دعوات الأهالي وانكسار القلوب، في حادثة أعادت للأذهان شريطاً مؤلماً من المآسي النهرية التي لا يبدو أنها ستنتهي قريباً.
التاريخ يعيد نفسه: جرح “المناصير” الذي لم يبرأ
لا يمكن للمراقب أن يرى مشهد “طيبة الخواض” اليوم دون أن يستحضر فاجعة 2018 في منطقة البحيرات بزات الولاية حيث فقدت البلاد 24 تلميذاً في مقتبل العمر، حين انقلب بهم مركب متهالك وهم في طريقهم إلى المدرسة.
في كلتا الحادثتين، كان عطل المحرك وسط التيار القوي هو العامل الحاسم. ..أيضا غياب البدائل عاملا مشتركا ففي 2018، لجأ التلاميذ للقوارب بسبب الفيضانات، واليوم يضطر الأهالي لذات الوسائل البدائية لغياب الجسور.
بين نهب الموارد وفقد الأرواح:
لم تقف الصدمة عند حدود الحزن الشعبي، بل امتدت لتطرح تساؤلات سياسية واقتصادية حادة حول إدارة موارد الولاية. فقد وضعت الأستاذة آمنة أحمد المكي (والي نهر النيل السابق) إصبعها على الجرح الغائر، حين كتبت على حائطها في “فيسبوك” بكلمات تختزل القضية في جوهرها المطلبي:
”الحقوق تُنتزع.. هكذا تتعدد الفواجع في ولاية نهر النيل الغنية التي تُنهب مواردها وأراضيها.. تُرى كم تبلغ تكلفة الكبري؟!”
هذا التساؤل “كم تبلغ تكلفة الكبري؟” يضع السلطات أمام مفارقة مخجلة؛ فولاية نهر النيل التي ترفد خزينة الدولة بالذهب والأسمنت والمنتجات الزراعية، تعجز عن توفير جسر يحمي أطفالها ونساءها من الغرق. إنها معادلة مختلة تضع تكلفة الحديد والخرسانة في كفة، وأرواح المواطنين في كفة أخرى.
وعود حكومية تحت ضغط الفاجعة
وعقب وصوله لسرادق العزاء بديم القراي، أعلن والي نهر النيل التزام حكومة الولاية بالعمل العاجل على توفير “معدية بنطون” تربط منطقة ديم القراي بمناطق غرب النيل، معتبراً ذلك “حقاً مشروعاً للمواطنين”، ومشدداً على أن الحكومة ماضية في تعزيز إجراءات السلامة.
ردود الفعل: “حكومة لا تعرف الحقوق إلا بعد الكوارث”
لكن هذه الوعود قوبلت بموجة من الانتقادات الحادة على منصات التواصل الاجتماعي. فقد ضجت “الميديا” بتعليقات ساخرة وموجعة، أجمعت على أن “الحكومة لا تتذكر سيرة الحقوق إلا بعد وقوع الكارثة”. وتساءل الناشطون: لماذا ينتظر المسؤولون حتى تفيض المآتم بالدموع ليبدأوا بالحديث عن “البنطون” والخدمات الأساسية؟ وهل كان من الضروري أن يغرق 18 شهيداً لتصبح المعدية “حقاً مشروعاً”؟