سسنا نيوز
صدق الكلمة وسرعة الخبر

أصداء وطنية: برمة أبوسعادة يكتب : د. عصام أحمد البشير

سيرة عالم حمل مشعل الدعوة والفكر وخدمة الوطن
حين يذكر العلماء الذين جمعوا بين رسوخ العلم وسعة الأفق وصدق الدعوة وحكمة الكلمة يبرز اسم الدكتور عصام الدين أحمد البشير بوصفه واحداً من أعلام السودان الذين تجاوز أثرهم حدود الجغرافيا ليبلغ آفاق العالم الإسلامي فهو عالم صاغته محاريب المعرفة وربته مدارس القرآن وصقلته ميادين الدعوة والفكر حتى غدا صوتاً للوسطية ولساناً للحكمة ووجهاً مشرقاً من وجوه السودان في المحافل العلمية والدولية
ولد بولاية الجزيرة مهد مولده ومرابع صباه تلك الأرض التي ترعرع فيها بين أطيافها وظلالها الوارفة حيث تفتحت أولى ملامح وعيه وتشكلت بدايات شخصيته في فضاء يعبق ببراءة الطفولة ونعومة الشباب ونقاء البدايات هناك في تلك الربوع الهادئة تتراءى له مراتع الصبا وذكريات الطفولة الأولى وكأن الأرض نفسها تحتفظ بظله الأول وتستقبله كلما عاد إليها بترحاب المنى وصدق الانتماء.
وأظهر منذ سنواته الأولى نبوغاً لافتاً وشغفاً بالمعرفة فكانت رحلته العلمية رحلة صعود متواصل في مدارج التحصيل والتخصص تنقل بين الجامعات العريقة فنهل من معين الشريعة وعلومها حتى توج مسيرته بنيل درجة الدكتوراه بامتياز جامعاً بين أصالة التراث ووعي العصر.
ولم يكن العلم عنده زينة للمجالس أو لقباً يسبق الأسماء بل كان رسالة يحملها ومسؤولية يؤديها فانتقل من مقاعد الدراسة إلى ساحات العمل العام متقلداً مناصب علمية ودعوية ووطنية رفيعة فكان وزيراً للإرشاد والأوقاف ورئيساً لمجمع الفقه الإسلامي وعضواً في عدد من المجامع والهيئات العلمية العالمية وأسهم من مواقع المسؤولية المختلفة في ترسيخ قيم الاعتدال ونشر ثقافة الحوار وتعزيز مكانة السودان في دوائر الفكر الإسلامي.
وقد تميز مشروعه الفكري بأنه لم يقف عند حدود التنظير بل سعى إلى مخاطبة واقع الناس وقضاياهم فكان يدعو إلى الإسلام في صورته السمحة ويؤكد أن قوة الدين لا تكون بالتشدد كما أن التجديد لا يكون بالتفريط وإنما بالجمع بين الثوابت الراسخة ومتطلبات العصر المتجددة لذلك وجد فيه المثقف والعالم والداعية ورجل الشارع خطاباً قريباً إلى القلب والعقل معاً
أما في ميادين الدعوة والخطابة فقد وهبه الله قبولاً ظاهراً وملكة بيانية نادرة فكان مليحاً في ميدان العلم والخطابة على السواء تأسر السامع طلاوة خطابه وتستوقفه رصانة أسلوبه وتدهشه دقة تعبيره وعذوبة منطقه فهو لا يتحدث بلسان العالم فحسب بل بقلب المؤمن الذي يفيض صدقاً وإخلاصاً وصفاء ضمير ورقة عاطفة ولذلك كانت كلماته تنفذ إلى القلوب قبل أن تستقر في العقول.
ومن أروع ما يميز مجالسه ومحاضراته أنه إذا تناول سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم أو استعرض مواقف الصحابة رضوان الله عليهم بدا وكأنه يعيش تلك الأحداث بين أبطالها فيستحضر معانيها بروح محبة ووجدان حاضر فتفيض عيناه بالدمع وتخشع نبرات صوته حتى يشارك الحاضرون ذلك التأثر الصادق فتدمع عيونهم وتلين قلوبهم وكأنهم يشهدون تلك الوقائع رأي العين لا يسمعونها من راو أو خطيب
أما في البلاغة ورصانة الأسلوب فكأنما قد اغترف من معين الخليل بن أحمد الفراهيدي فصاحة اللفظ واستقامة العبارة واستضاء بدقة سيبويه في إحكام التركيب واستلهم من ابن جني أسرار العربية ودقائق البيان حتى جاءت كلماته محكمة النسج قوية السبك عذبة الإيقاع وإذا خاض في السيرة النبوية خيل إليك أنه جالس ابن هشام وطاف معه في شعاب مكة وأزقة المدينة وشهد معه مشاهد الهجرة وبدر وأحد والخندق فيسرد الوقائع لا بوصف المؤرخ البارد بل بنبض العارف المحب حتى يتحول السماع إلى معايشة والذكرى إلى حضور حي نابض
ومن ذوق الشعر ورقائقه كأنما نهل من أنوار البيان الأولى وجالس فحول الشعراء في صدر الإسلام فاستمع إلى كعب بن زهير في جزالة المديح وروعة التصوير وإلى حسان بن ثابت في نصرة الحق وجمال العبارة حتى انسكب في بيانه شيء من روح الشعر العربي الأصيل وكأن في خطابه أيضاً مسحة من تأملات ابن خلدون في العمران وسنن الاجتماع وفهم حركة التاريخ فاجتمع له حس الأديب ونظر المفكر وبصيرة العالم حتى غدا بيانه لوحة متكاملة تجمع بين الشعر والفكر والحكمة في نسق واحد من الإشراق
ولم يقف أثره عند حدود السودان بل امتد صوته العلمي والفكري إلى آفاق العالم الإسلامي حتى لقي قبولاً واسعاً وإعجاباً بالغاً في دول المغرب العربي حيث وجد الناس في خطابه صدىً لوجدانهم وملامسةً لقضاياهم بلغة تجمع بين جزالة البيان وعمق الفهم وهدوء الحكمة فاحتفت به المنابر العلمية والملتقيات الفكرية هناك وأصبح اسمه متداولاً في المجالس بوصفه أحد الأصوات التي تعيد التوازن إلى الخطاب الديني وتجمع بين أصالة العلم وروح العصر وتخاطب العقل والقلب معاً في نسق واحد من البيان الرصين.
ولعل ما يزيد هذه السيرة إشراقاً أن هذا العالم لم يكن مجرد اسم في سجل الخطباء أو عابراً على منابر العلم بل كان أثراً ممتداً في القلوب وأنا شخصياً من المولعين بمتابعة دروسه ومحاضراته وخطاباته لما فيها من قوة الحجة وجمال العرض وصدق التأثير حتى كأنها تكتب في القلب قبل أن تسمع بالأذن.
وقد حضرت له في مطلع الألفينات محاضرة وأنا حينها طالب بجامعة النيلين فسبحان من ألف بين القلوب فقد أسرني حديثه وامتدت في داخلي جذوة الإعجاب حتى وجدتني بعد انتهاء المحاضرة أتبع أثره بين الناس رغبة في السلام عليه ومصافحته غير أن القدر لم يمهلني إذ أسرع إلى عربته وسبقني إليها فبقيت واقفاً أردد بعض كلماته التي ما زالت حية في الذاكرة كأنها لم تغادرها يوماً وأقول في نفسي هل يجود الزمان بلقاء تكتحل فيه العين برؤيته وتكتمل فيه لحظة اللقاء التي لم تكتمل يومها
ومنذ ذلك اليوم مضت السنون وتعاقبت الأيام وما زالت تلك الأمنية تسكن القلب لا يبهت وهجها ولا يخبو نورها فكلما استمعت إلى صوته أو قرأت له عاد ذلك الطالب القديم الذي كان يطارد الأثر في شغف ومحبة وكأن الزمن لم يمر.
ثم يمتد الخاطر إلى ما هو أبعد من أمنية فرد وأوسع من شوق شخص فأقول وهل يعود الدكتور عصام الدين أحمد البشير إلى السودان وطنه ومهد أجداده لينعم برؤيته كل السودانيين ويكتحلون بحضوره وتزدان به المجالس كما تزدان الأرض بالمطر بعد جدب طويل.
فالأوطان تشتاق إلى أبنائها الكبار كما يشتاق الأبناء إلى أوطانهم والرجال الذين أفنوا أعمارهم في خدمة الدين والفكر يبقى لهم في القلوب مقام لا تناله المسافات ولا تطفئه السنون
وقد قيل:-
تطول أو تقصر الأيام
دروب الرجعة جيابة
وطيور الهجرة مهما تغيب
مصيرا تلاقي أسرابا
وهي كلمات تختصر سنة الحياة فمهما امتدت الغربة يبقى للوطن نداء لا يخفت وللأرض الأولى جذوة لا تنطفئ وللجذور سلطان لا يقهر ولعل الأمل يظل قائماً بأن يجود الزمان بلقاء وأن يعود إلى السودان رجلاً حمل العلم والفكر والدعوة فكان في الناس علماً وفي القلوب أثراً وفي الذاكرة معنى لا يزول.

بقلم برمة أبوسعادة٤/٦/٢٠٢٦

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.