بعد نحو ثلاثة أعوام من صمت الحرب، عاد ملعب رابطة ونادي الكلاكلة القلعة لينبض بالحياة من جديد. لم يكن افتتاح دورة شهداء الكلاكلة القلعةةفي حرب الكرامة مجرد حدث رياضي عابر، بل لحظة جامعة تختصر معنى العودة، وتترجم وفاء الأحياء لمن صنعوا الحياة بدمائهم. هنا، حيث تعانقت الهتافات مع الدموع، استعاد الحي ذاكرته، وعادت البيوت لأهلها، وصار الأمن واقعاً ملموساً بعد أن كان حلماً بعيد المنال.
وجاءت الدورة كأول نشاط رياضي وحدث مجتمعي يحتضنه ملعب نادي القلعة بعد الحرب، فبدت مقاعد الجماهير كأنها تستعيد أنفاسها، وبدا المشهد مألوفاً رغم طول الغياب. كانت رسالة واضحة: الكلاكلة القلعة قادرة على النهوض، وقادرة على تحويل الفقد إلى طاقة حياة.
شرّف فعاليات الافتتاح المدير التنفيذي لمحلية جبل أولياء، إلى جانب قيادات من جهاز الأمن والمخابرات الوطني، وممثلين للقوات المسلحة والشرطة، في حضور حمل دلالات عميقة على تلاحم المؤسسات الرسمية مع المجتمع، وعلى أهمية الرياضة بوصفها جسراً للتماسك الاجتماعي وإعادة بناء الروح العامة.
وفي فاتحة مباريات الدورة، أبدع فريق القلعة «تماسيح النيل» وحقق فوزاً مستحقاً على اتحاد الفاروق بثلاثة أهداف مقابل هدف، وسط تشجيع جماهيري كثيف جاء من كل فج عميق، ليعيد إلى الميدان أمجاد المنافسات القديمة، حين كانت رابطة القلعة تجمع أعظم لاعبي الخرطوم في مواجهات حافلة بالإثارة والتحدي.
ولم يكن هذا الحضور الجماهيري الكبير مجرد رقم، بل تعبيراً صادقاً عن شوق الناس للملاعب، وحنينهم لزمن كانت فيه الرياضة مساحة للفرح المشترك. ومع كل هتاف، كانت أسماء الشهداء تُستحضر في القلوب قبل اللافتات، بوصفهم من جعلوا هذه العودة ممكنة، ومن مهّدوا طريق الاستقرار بدمائهم الطاهرة.
ورغم التحديات الماثلة مادياً وفنياً وتنظيمياً، بذلت اللجنة العليا المنظمة جهداً مقدّراً لإحياء ذكرى الشهداء وإخراج الدورة في صورة تليق بمقامهم. كما حضرت برامج المسؤولية المجتمعية بقوة، عبر مشاركة مركز الملاذ لطب الأسنان بقيادة الدكتور عثمان إبراهيم أحمد الجعلي، وبنك أم درمان الوطني، اللذين يقدّمان جوائز لنجوم المباريات، في نموذج يعكس تكامل المجتمع حول قضاياه.
إن دورة شهداء الكلاكلة القلعة ليست بطولة كرة قدم فحسب؛ إنها رسالة وفاء، ومرآة لصمود حيٍّ أبى أن ينكسر. هي وعد متجدد بأن الرياضة قادرة على تضميد الجراح، وأن ذاكرة الشهداء ستظل حاضرة في كل هدف، وكل تصفيق، وكل خطوة عودة نحو الحياة.
khalidfaki77@gmail.com