سسنا نيوز
صدق الكلمة وسرعة الخبر

هناديعبداللطيف تكتب: “برلينال” والسفارة.. عندما تغلق البيروقراطية أبواب الفن في وجه السودان

​في الوقت الذي يستعد فيه العالم للاحتفاء بصناع السينما في واحد من أعرق المحافل الدولية، “مهرجان برلين السينمائي”، تخرج علينا السفارة الألمانية في القاهرة بمشهد تراجيدي لا يقل قسوة عن قصص النزوح التي تحاول السينما معالجتها. رفض تأشيرات فريق عمل فيلم “كرت أزرق” (Blue Card) للمخرج السوداني العالمي أمجد أبو العلاء، ليس مجرد إجراء إداري، بل هو إهانة علنية للمبدع العربي والأفريقي، وطعنة في قلب التبادل الثقافي الذي تزعم المؤسسات الغربية رعايته.

​أمجد أبو العلاء: فنان لا يحتاج “تذكرة عبور”

​من المثير للسخرية، بل ومن المهين، أن تُبرر السفارة رفضها بوجود “مخاوف من الهجرة” أو عدم الثقة في “نية العودة”. نحن نتحدث هنا عن أمجد أبو العلاء؛ المخرج الذي طاف بمشاريع وسينماه كبرى مهرجانات العالم من “فينيسيا” إلى “تورونتو”، وحصد جوائز دولية وضعت السينما السودانية على الخارطة العالمية بعد عقود من الغياب.

​أبو العلاء، المقيم في ام الدنيا مصر والمستقر في مساره المهني الدولي، لا يحتاج لفيلم سينمائي ليكون “غطاءً” للهجرة، ولا يحتاج لخرق القوانين وهو الذي شارك سابقاً كعضو لجنة تحكيم في ذات المهرجان (برلينال). إن اختزال قامة سينمائية بهذا الحجم في “ملف هجرة محتمل” هو تجسيد حي للفكر البيروقراطي الضيق الذي يرى الإنسان عبر لون جواز سفره، لا عبر حجم منجزه الإبداعي.

​السينما في مواجهة “الوسم العرقي”

​إن هذا الموقف يكشف عن فجوة أخلاقية هائلة؛ فبينما تمنح المنظمات الدولية (مثل Amnesty International) الجوائز لأفلام هذا الفريق لكونها تدافع عن حقوق الإنسان، تأتي “البيروقراطية الألمانية” لتمارس نوعاً من الوصاية والهيمنة التي تحرم الفنان من حقه في الوجود بجانب عمله.

​كيف يمكن للتبادل الثقافي أن يزدهر في ظل مناخ يحكمه الخوف والارتقاب؟ إن الرسالة التي تبعث بها السفارة اليوم هي: “نحن نحب قصصكم عن المعاناة، لكننا لا نريد حضوركم كبشر”. هي دعوة للاحتفاء بالضحية على الشاشة، وقمع المبدع خلف الكاميرا.

​الانسحاب.. موقف كرامة لا انكسار

​جاء قرار أمجد أبو العلاء بالانسحاب بمثابة “صفعة” أخلاقية ضرورية. فالذهاب إلى منصات دولية لا ينبغي أن يكون منةً أو تفضلاً من قنصل، بل هو استحقاق مهني. الانسحاب هنا ليس فعلاً عدائياً، بل هو صرخة في وجه نظام “الوسم” الذي يصنف المبدعين القادمين من مناطق الحروب كـ “عبء” أو “خطر”، متجاهلاً تاريخهم والتزامهم.

​لقد سحب فريق “كرت أزرق” بطاقته، ليترك السفارة الألمانية وحدها في مواجهة تساؤلات أخلاقية كبرى: كيف تروجون لبرلين كعاصمة للحرية والتبادل الثقافي، بينما تغلقون أبوابها أمام من يصنعون هذا الثقافة بدمائهم وأحلامهم؟.

​ختاماً، سيبقى فيلم “كرت أزرق” وسيعرض في كل مكان، أما وصمة “خوف الهجرة” فستظل تلاحق كل نظام يدعي دعم الفن ويمارس في الخفاء سياسة الإقصاء.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.