سسنا نيوز
صدق الكلمة وسرعة الخبر

فيحاء أحمد التوم تكتب :الشباب خارج دورة الإنتاج.. تحوّل البطالة من أزمة وظائف إلى أزمة مستقبل

لم تعد قضية البطالة بين الشباب مجرد أرقام تُدرج في التقارير الاقتصادية، ولا مجرد قصص فردية لشاب يحمل شهادة ويبحث عن وظيفة. المسألة، في جوهرها، أعمق من ذلك بكثير؛ إنها قضية تتصل بكفاءة الاقتصاد نفسه، وقدرته على استيعاب رأس ماله البشري، وتحويل التعليم والتدريب والمهارات إلى قيمة مضافة وإنتاج وفرص حقيقية.

وعندما تتسع الفجوة بين ما ينتجه النظام التعليمي من خريجين وما يستطيع الاقتصاد استيعابه من قوة عمل، فإن المشكلة لا تعود في الشاب الذي لم يجد وظيفة، وإنما في المنظومة التي لم تستطع تحويل المعرفة إلى إنتاج.

أحد أبرز جذور المشكلة يتمثل في عدم التطابق الكافي بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل. فسنوات الدراسة تمنح الشاب مؤهلًا أكاديميًا، لكنها لا تضمن بالضرورة امتلاكه المهارات المهنية التي يطلبها صاحب العمل.

وهنا تظهر ما تعرف في أدبيات سوق العمل بـ فجوة المهارات؛ أي المسافة بين المهارات التي يمتلكها الباحثون عن العمل والمهارات التي يحتاجها الاقتصاد.

وتزداد المشكلة عندما يصبح الحصول على الوظيفة مرتبطًا بالخبرة السابقة. فصاحب العمل يبحث عن موظف جاهز للإنتاج منذ اليوم الأول، بينما يحتاج الخريج إلى بيئة تمنحه الفرصة الأولى للتعلم واكتساب الخبرة.

وهذه ليست مشكلة فردية؛ إنها خلل في آليات الانتقال من التعليم إلى العمل.
فالجامعة تنتهي عند الشهادة، بينما تبدأ رحلة التعلم المهني الحقيقي داخل سوق العمل.

ومن الخطأ النظر إلى البطالة باعتبارها مشكلة مالية فقط. صحيح أن غياب الدخل يمثل العبء الأكثر وضوحًا، لكن آثار البطالة تمتد إلى تكوين الشخصية والاستقلال الاقتصادي والعلاقات الاجتماعية وحتى تصور الشاب لمستقبله.
فالعمل يؤدي وظائف اقتصادية واجتماعية في آن واحد. إنه يمنح الفرد دخلًا، لكنه يمنحه أيضًا دورًا اجتماعيًا وشعورًا بالإنجاز والاستقلال والقدرة على اتخاذ القرار.

ولهذا فإن استمرار البطالة لفترات طويلة قد ينتج ما يمكن وصفه بـ التآكل المهني؛ إذ يفقد الشاب تدريجيًا جزءًا من مهاراته العملية، ويبتعد عن بيئة الإنتاج، وتتراجع قدرته التنافسية مقارنة بمن دخلوا سوق العمل في وقت مبكر.
وبذلك تصبح البطالة الطويلة سببًا في إعادة إنتاج البطالة نفسها.

السؤال الأكثر أهمية ليس: لماذا لا يجد الشباب وظائف؟
بل: لماذا لا يولّد الاقتصاد وظائف بالسرعة التي يدخل بها الشباب إلى سوق العمل؟

هنا ينتقل النقاش من مسؤولية الفرد إلى بنية الاقتصاد.
فإذا كان الاقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على قطاعات محدودة منخفضة القدرة على خلق الوظائف، فإن النمو الاقتصادي ــ �

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.