سسنا نيوز
صدق الكلمة وسرعة الخبر

بين قرارات الحظر وتعطيل الطاقات… لماذا يجب أن يتدخل رئيس الوزراء لإنقاذ ملف تشغيل الخريجين؟

في ظل الضغوط الاقتصادية المتصاعدة، أصدرت الحكومة مؤخرًا قرارات بحظر استيراد عدد من السلع بهدف تخفيف الضغط على النقد الأجنبي واستقرار سعر الصرف. ورغم وجاهة الهدف من حيث المبدأ، إلا ان التعليق الأهم يظل مطروحًا: هل تدار هذه الأزمة بمنهج متكامل، أم عبر قرارات منفصلة تفتقر للترابط.!

هذه النظرة تقودنا مباشرة إلى واحد من أهم الملفات المهملة في الدولة: الجهاز القومي لتشغيل الخريجين.
هنالك فجوة صامتة لمؤسسة قائمة بلا تأثير…..

تشير التقديرات إلى أن عدد الخريجين الجدد في السودان يتراوح سنويًا بين 120 إلى 150 ألف خريج، ينضم إليهم مئات الآلاف من العاطلين المتراكمين عبر السنوات، ليتجاوز إجمالي البطالة وسط الشباب نسبة 30% إلى 40% في بعض التقديرات غير الرسمية.
في المقابل، يقف الجهاز القومي لتشغيل الخريجين المفترض أن يكون الأداة الحكومية الرئيسية لمعالجة هذه الأزمة – معطل او شبه معطل حتى لا تظلم المجهودات الفردية هنا وهناك ، دون برامج مؤثرة أو ارتباط حقيقي بحركة الاقتصاد.
ورغم تطرق عدد من المنصات المهتمة بالانتاج وريادة الاعمال و الكتابات المتكررة الموجهة للوزير المختص، لم يظهر حتى الآن أي تحرك جاد يعكس إدراك حجم الأزمة أو استثمار هذه المؤسسة بالشكل المطلوب.

* قرارات الحظر… وتأثيرها العكسي على التشغيل

إذا نظرنا إلى القرار الأخير بحظر الاستيراد من زاوية سوق العمل، سنجد مفارقة مقلقة:
– تشير تقديرات اقتصادية مبسطة إلى أن كل مليون دولار من مدخلات الإنتاج يمكن أن يخلق ما بين 50 إلى 100 فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة في قطاعات الصناعة والخدمات.
– وبناءً عليه، فإن تقليص الاستيراد – خاصة في مدخلات الإنتاج – قد يؤدي إلى فقدان آلاف فرص العمل المحتملة شهريًا.
بمعنى آخر، نحن لا نقلل فقط من تدفق السلع، بل نقلص في نفس الوقت قدرة الاقتصاد على توليد الوظائف.
وهنا يظهر التناقض الصريح:
كيف يمكن أن تسعى الدولة لتشغيل الخريجين، بينما تتبنى سياسات تؤدي عمليًا إلى انكماش السوق الذي يفترض أن يستوعبهم؟

* الإمكانية الضائعة ماذا لو تم تفعيل الجهاز؟
لو تم تفعيل الجهاز القومي لتشغيل الخريجين بشكل صحيح، يمكن تحقيق نتائج ملموسة خلال فترة قصيرة.

– إذا تم تمويل 10,000 مشروع صغير فقط، بمتوسط 5 وظائف لكل مشروع، يمكن خلق 50,000 فرصة عمل مباشرة.
– وإذا توسع البرنامج ليشمل الصناعات الصغيرة والمتوسطة المرتبطة بالإنتاج المحلي، يمكن مضاعفة هذا الرقم خلال عام واحد.
– كما أن توجيه هذه المشاريع نحو بدائل الواردات يمكن أن يساهم في توفير ملايين الدولارات من النقد الأجنبي.
أي أن الجهاز يمكن أن يتحول من عبء إداري إلى رافعة اقتصادية حقيقية.

₹₹ لماذا يجب أن يتدخل رئيس الوزراء؟
المشكلة لم تعد فنية أو إدارية، بل أصبحت مسألة إرادة سياسية وتنسيق على أعلى مستوى.

فالوزير المختص – رغم المسؤولية المباشرة – لم يُظهر حتى الآن الاهتمام المطلوب بهذا الملف، وهو ما أدى إلى استمرار حالة الجمود، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى كل أداة ممكنة لمعالجة الأزمة.
وهنا تبرز الحاجة إلى تدخل مباشر من رئيس الوزراء، ليس فقط لإنقاذ مؤسسة، بل لضمان اتساق السياسات الاقتصادية مع أهداف التشغيل والتنمية.

* مرحلة حرجة… تتطلب كل السواعد

تمر البلاد بمرحلة دقيقة تتطلب إعادة بناء الاقتصاد، وإطلاق عملية إعمار حقيقية، وهي مهام لا يمكن إنجازها دون إشراك واسع للشباب والخريجين.

إن تجاهل هذه الكتلة البشرية يعني:

– استمرار البطالة
– زيادة الضغوط الاجتماعية
– إهدار طاقات كان يمكن أن تسهم في الإنتاج

بينما يمكن – عبر سياسات ذكية – تحويلها إلى قوة دافعة للتنمية.

ملخص القول …..
إن الأزمة الحالية لا تتعلق فقط بقرارات اقتصادية، بل بطريقة إدارة الاقتصاد ككل.
فلا يكفي أن نحد من الاستيراد، إذا كنا في نفس الوقت لا نخلق بدائل إنتاجية.
ولا يكفي أن نتحدث عن تشغيل الخريجين، إذا كنا لا نوفر البيئة الاقتصادية التي تستوعبهم.
إن تفعيل الجهاز القومي لتشغيل الخريجين، وربطه مباشرة ببرامج الإنتاج والصناعات المتناهية الصغر و الصغيرة والمتوسطة، تحت إشراف مباشر من رئيس الوزراء، يمكن أن يكون أحد أهم مفاتيح الخروج من الأزمة.

فالمرحلة لا تحتمل أنصاف الحلول…
بل تتطلب رؤية متكاملة، وقرارات متسقة، وإرادة حقيقية لتحويل التحديات إلى فرص.

السودان اليوم لا يحتاج فقط إلى قرارات تقشف… بل إلى قرارات إنتاج.
والسلام ختام

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.