سسنا نيوز
صدق الكلمة وسرعة الخبر

اسماعيل الحاج: يكتب وفاءٌ لا يرحل… مدرسة علوية عبد الوهاب حيث يتحول البر إلى خلود

اسماعيل الحاج:يكتب

وفاءٌ لا يرحل… مدرسة علوية عبد الوهاب الثانوية للبنات حيث يتحول البر إلى خلود

حين يكتب التاريخ صفحاته المضيئة، فإنه لا ينسى أولئك الذين جعلوا من الوفاء طريقاً، ومن البر رسالة، ومن العمل الصالح أثراً لا يزول.
هناك في ولاية الجزيرة، شرق تمبول، وعلى بُعد ستة كيلومترات من المدينة، تتكئ قرية زرقة على ضفاف المحبة والتعايش، كأنها لوحة سودانية مصغرة، اجتمعت فيها ملامح الوطن الجميل بكل تنوعه وتسامحه وألفته.
زرقة ليست مجرد قرية عادية، بل نموذج حي للتعايش السلمي، والتكاتف الاجتماعي، والتعاضد الإنساني، حيث تتجاور القلوب قبل البيوت، وتلتقي النفوس على المحبة قبل المصالح، ويظل الأمن والاستقرار عنواناً لأهلها الطيبين.
وفي هذه الأرض الطيبة، بزغ صرح تعليمي شامخ يحمل اسماً عظيماً ومعنى أعمق، هو مدرسة المرحومة علوية عبد الوهاب الثانوية للبنات، التي لم تُشيد بالحجارة وحدها، بل بُنيت بالدعاء، والمحبة، والوفاء، ورد الجميل.
لقد شُيدت هذه المدرسة بالكامل على نفقة الابن البار الأستاذ عبدالقادر الشريف، الذي اختار أن يجعل من برّه بوالدته مشروعاً خالداً، ومن وفائه لها رسالة تُروى للأجيال. لم يكن البناء مجرد مبادرة عابرة، بل موقف إنساني عظيم يؤكد أن الوفاء الحقيقي يُترجم إلى عمل نافع يبقى أثره بعد الرحيل.
إنها ليست مجرد مدرسة، بل قصة إنسانية مكتملة الأركان، تحكي كيف يمكن للحب أن يتحول إلى بناء، وكيف يمكن للبر بالوالدين أن يصبح مشروع حياة، وكيف يظل اسم الأم خالداً حين يُكتب بحروف العلم والنور.
لقد أراد الأبناء الأوفياء أن يخلدوا ذكرى والدتهم المغفور لها بإذن الله، المرحومة علوية عبد الوهاب، فاختاروا أن يكون الخلود في أنفع صوره: التعليم.
فكانت المدرسة رسالة صامتة لكنها أبلغ من كل الكلمات، تقول إن أعظم البر ليس في الرثاء، بل في العمل الذي ينفع الناس ويبقى أثره بعد الرحيل.
شُيدت المدرسة بمواصفات عالية الجودة، تواكب المستقبل وتلبي احتياجات الأجيال القادمة، لتكون إضافة حقيقية لمنظومة التعليم الثانوي بشرق الجزيرة، وتسهم في توسيع دائرة القبول للطالبات، خاصة في المناطق المجاورة التي كانت تعاني مشقة البعد وصعوبة الوصول.
واليوم، تخدم المدرسة عدداً كبيراً من القرى المجاورة، وتفتح أبواب الأمل أمام مئات الطالبات اللاتي وجدن فيها فرصة جديدة للحلم، ومنبراً للعلم، وطريقاً نحو مستقبل أفضل.
وقد زادها تميزاً حسن الإدارة وصدق الرسالة، حيث تجلس على إدارتها الأستاذة القديرة إلهام محمد الفضل، التي تقود المدرسة بعين المربية وقلب الأم، وبجهودها مع نخبة من المعلمات والمعلمين الأكفاء، أصبحت المدرسة واحدة من أبرز المدارس المتميزة في شرق تمبول.
هذا التميز لم يأتِ من فراغ، بل كان ثمرة إخلاص، وانضباط، ورسالة تربوية حقيقية، حتى أصبحت المدرسة هذا العام مركزاً من مراكز امتحانات الشهادة السودانية، وهو شرف لا يُمنح إلا للمؤسسات التي أثبتت كفاءتها واستحقاقها.
رحم الله المغفور لها علوية عبد الوهاب، وأسكنها فسيح جناته، وجعل هذا الصرح العلمي في ميزان حسناتها، وبارك في عبدالقادر الشريف الذي أثبت أن الحب الحقيقي لا يُقال فقط، بل يُبنى ويُرى ويُثمر.
فالناس يرحلون، لكن آثارهم تبقى، وبعض الأسماء لا تموت لأنها تسكن في دعوات الناس، وفي أبواب الخير التي تُفتح باسمها، وفي كل طالبة تكتب مستقبلها داخل فصل من فصول الوفاء.
كل التقدير لأسرة الشريف الأمجاد، الذين أثبتوا أن الكبار لا يُعرفون بكثرة الكلام، بل بعظمة الأثر، وأن الإنسان الحقيقي هو من يترك خلفه نوراً لا ينطفئ.
مدرسة علوية عبد الوهاب ليست مبنى… بل ذاكرة وفاء، وشاهد حب، ورسالة إنسانية تقول لنا جميعاً:
إن البر لا ينتهي بالموت، وإن الخير هو الخلود الحقيقي، وإن أجمل ما يمكن أن يقدمه الأبناء لآبائهم هو أثر يبقى ودعاء لا ينقطع.
فهنيئاً لزرقة بهذا الصرح، وهنيئاً لشرق تمبول بهذه المنارة، وهنيئاً لكل من ساهم في هذا العمل النبيل، لأنهم جميعاً كتبوا أسماءهم في سجل المجد، بحبر من وفاء، وصفحات من نور.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.