بعد نحو ألف يوم من حرب 23 أبريل 2023، تمثل عودة حكومة الأمل بقيادة الدكتور كامل إدريس إلى العمل رسمياً من داخل ولاية الخرطوم لحظة مفصلية في مسار استعادة الدولة لعافيتها، وإعادة الاعتبار للعاصمة بوصفها القلب السيادي والإداري والسياسي للبلاد. إنها عودة لا تحمل طابعاً إجرائياً فحسب، بل تنطوي على أبعاد استراتيجية عميقة، تتجاوز الرمزية إلى الفعل، ومن الحضور الشكلي إلى استعادة نبض الحكم وإدارة الشأن العام من الميدان.
أعتقد أن تداعيات عودة الوزراء إلى دواوينهم تتجلى سريعاً في إعادة تشغيل شرايين الحكومة التي أصابها الجمود والتشظي، حيث يشكل انتظام العمل المؤسسي مقدمة ضرورية لعودة الانضباط الإداري، وتسريع اتخاذ القرار، وتحسين التنسيق بين المستويات السيادية والتنفيذية. فالعاصمة ليست مجرد مقر، بل منصة قيادة، وعودة الحكومة إليها تعني عملياً تقليص الفجوة بين القرار والتنفيذ، وبين الدولة والمواطن.
على الصعيد الخدمي، تحمل هذه العودة في تقديري دلالات بالغة الأهمية، إذ يرتبط حضور الحكومة ميدانياً بإعادة تشغيل الخدمات الرئيسة: الكهرباء، المياه، الصحة، التعليم، والنقل، وهي عناصر تمثل المؤشر الأصدق على استعادة الحياة الطبيعية. ومع عودة هذه الخدمات، يبدأ المواطن في استعادة الثقة، وتتقدم موجات العودة الطوعية إلى الخرطوم، مدفوعة بإحساس متجدد بالأمن، وبوادر الاستقرار، وملامح التعافي الاقتصادي والاجتماعي.
غير أن نجاح هذه المرحلة في رأيي يظل مرهوناً بقدرة الحكومة على ربط أدائها بقطاعات المجتمع المختلفة، من منظمات المجتمع المدني، إلى القطاع الخاص، واللجان المجتمعية، والنقابات المهنية. فإعادة بناء العاصمة لا يمكن أن تتم بعقلية مركزية مغلقة، بل عبر شراكة واسعة تجعل المواطن جزءاً من الحل، لا مجرد متلقٍ للقرارات.
ودون شك تبرز أهمية تذليل الصعاب أمام الوزارات والمواطنين معاً، عبر تبسيط الإجراءات، وإعادة تأهيل البنى التحتية، وضمان العدالة في تقديم الخدمات، بما يحقق معايير الاستقرار وجودة الحياة. إن عودة حكومة الأمل إلى الخرطوم ليست نهاية الطريق، بل بداية اختبار حقيقي لقدرة الدولة على تحويل ما بعد الحرب إلى فرصة لبناء أكثر صلابة، وعاصمة أكثر حياة.
khalidfaki77@gmail.com