بقلم :- تاج السر ود الخير
في مشهد يعكس حالة الفوضى التي تعيشها البلاد، أصدرت الإدارة العامة للمواد البترولية بولاية الجزيرة يوم 20 يونيو 2026 قراراً بتعديل سعر لتر البنزين ليصبح 6,970 جنيهاً للمستهلك، على أن يُعمل به اعتباراً من الأحد 21 يونيو. لكن قبل أن تجف أحبار هذا القرار، وإذ بالمحطات تشرع في العمل بالتسعيرة الجديدة، فوجئ الجميع بمعلومة جديدة: سعر اللتر زاد 150 جنيهاً إضافياً، ويعني ذلك وفق مصادر مطلعة توقف الشحن إلى حين نزول تسعيرة جديدة.
هذه ليست حلقة منفردة في مسلسل الفوضى، بل هي الواقع اليومي لملف المحروقات في السودان، حيث شركات البترول الخاصة هي من تمسك بخيوط اللعبة، والحكومة – رغم قرارات مجلس الوزراء – تقف عاجزة عن فرض سيطرتها.
الشركات تتحكم.. والدولة تتفرج
منذ سنوات، استحوذ القطاع الخاص على خدمة استيراد المشتقات البترولية في السودان، بينما كانت حصة الحكومة محدودة للغاية. هذا الوضع جعل الشركات الخاصة تحتكر سلاحاً استراتيجياً بيدها: سلاح الإمداد.
عندما تريد هذه الشركات فرض تسعيرة جديدة، لا تطلب ذلك عبر القنوات الرسمية، بل تلجأ إلى أسلوب أكثر فعالية: إيقاف الشحن. وكما ورد في تقارير صحفية، شهدت مدن عدة طوابير طويلة أمام محطات الخدمة بعد تباطؤ أو توقف بعض الشركات عن استيراد المشتقات البترولية.
والأدهى أن الشركات بررت موقفها بـ”الضغوط الناتجة من تقلبات سعر الصرف في السوق الموازية وارتفاع تكاليف الاستيراد”، متجاهلة أن هذه التقلبات هي نفسها التي تساهم في خلقها من خلال عمليات شراء النقد الأجنبي بغرض الاستيراد، مما يزيد من تدهور قيمة الجنيه السوداني.
حكومة تقرر.. وشركات تنفذ ما تشاء
في 12 يونيو 2026، أصدر مجلس الوزراء قراراً تاريخياً بدخول الحكومة بشكل مباشر في استيراد المشتقات البترولية، بغية ضبط السوق والتحكم في سعر الصرف. وكان القرار يهدف إلى كسر احتكار الشركات الخاصة ووقف نزيف العملة الصعبة.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: أين أثر هذا القرار بعد مرور أكثر من أسبوع؟
الحقيقة المؤلمة أن القرار ظل حبراً على ورق. فبعد أيام قليلة من القرار، اشترط بنك السودان المركزي على شركات استيراد الوقود إيداع 200 كيلوغرام من الذهب عيار 21 كارات كضمان للحصول على ترخيص الاستيراد. ورغم أن هذا القرار قُدّم في إطار تنظيم السوق، إلا أن مراقبين اقتصاديين حذروا من أنه قد يستبعد الشركات الصغيرة والمتوسطة ويزيد من تركيز السوق في أيدي عدد محدود من الشركات الكبرى.
وهكذا، بدلاً من أن تضع الدولة يدها بالكامل على ملف المحروقات، وجدناها تضع قيوداً جديدة تطيح بالمنافسين الصغار وتكرس احتكار الكبار.
وكيل المحطة بين المطرقة والسندان
في ولاية الجزيرة، كما في غيرها من الولايات، يقف وكيل المحطة في موقف لا يحسد عليه. فهو يحتاج إلى شحن مواد بترولية لتشغيل محطته، لكنه لا يعرف السعر الذي سيبيع به، لأن التسعيرة تتغير كل يوم بحسب ما تمليه الشركات.
وكما ورد في المعطيات الميدانية، “الوكيل ما مستعد يشحن مواد بترولية وهو ما عارف حيبيع بكم”. وهذا عين الحقيقة. فوكيل المحطة يعمل في ظل غموض تام، حيث تتغير عمولة الوكيل (التي تعادل 10% من قيمة الشراء) صعوداً وهبوطاً بحسب سعر الشراء الذي تحدده الشركات.
والنتيجة؟ إما أن يشحن الوكيل ويخسر، أو يتوقف عن الشحن وتتوقف المحطات، ويعاني المواطن من طوابير الوقود.
رسوم ثابتة.. وسعر شراء متغير
تدعي الشركات أن الزيادات في الأسعار تعود إلى ارتفاع تكاليف الاستيراد والشحن، لكن السؤال: لماذا تبقى رسوم الدعم والمجهود الحربي والرسوم الولائية ورسوم دعم الطلاب ثابتة بينما يتغير سعر الشراء فقط؟
الجواب بسيط: لأن الشركات تتحكم في سعر الشراء، وبالتالي تتحكم في السعر النهائي. أما الرسوم الحكومية فهي ثابتة، مما يعني أن أي زيادة في السعر تذهب بالكامل إلى جيوب الشركات وليس إلى خزانة الدولة.
هذا الوضع جعل أسعار الوقود في السودان الأعلى على مستوى العالم، وفقاً لما أكده محللون اقتصاديون بأنه “لا توجد أسعار وقود تضاهي الأسعار السائدة في السودان، مع اختلاف مستويات دخول المواطنين في مختلف الدول”.
الدولة لم تضع يدها بعد
رغم قرارات مجلس الوزراء، ورغم الحديث عن دخول الحكومة في استيراد المحروقات، تبقى الحقيقة أن الدولة لم تضع يدها بنسبة 100% على ملف المحروقات.
فمنذ 28 فبراير 2026، دخلت سلاسل الإمداد في قطاع الوقود مرحلة جديدة جراء شلل حركة العبور في مضيق هرمز، حيث يستقبل السودان 70% من وارداته عبر هذا الممر الاستراتيجي. وكان من المفترض أن تكون هذه أزمة تدفع الدولة للتدخل الفعلي، لكن ما حدث هو العكس: الشركات استغلت الأزمة لرفع الأسعار وابتزاز الحكومة والمواطن.
وحتى عندما اجتمعت وزارة الطاقة مع ممثلي 45 شركة عاملة في استيراد الوقود في 10 يونيو، وضعت الشركات شروطاً لاستئناف الاستيراد، وبررت ذلك بعدم استقرار سعر الصرف والاضطرابات في الشرق الأوسط. وكأن الشركات هي من تحدد متى تستورد ومتى تتوقف، وكأن الدولة مجرد متفرج.
الإدارة العامة للبترول.. الضحية الأخيرة
في خضم هذه الفوضى، تقف الإدارة العامة للمواد البترولية بولاية الجزيرة في موقف بالغ الصعوبة. فهي ليست من تحدد الأسعار، وليست من تستورد الوقود، وليست من تشحن المواد. كل ما في وسعها هو تنزيل التسعيرة التي تمليها الشركات، لضمان استمرار الإمداد وعدم توقف المحطات.
فإذا لم تنزل التسعيرة، يتوقف الشحن. وإذا توقف الشحن، تتوقف المحطات. وإذا توقفت المحطات، يعاني المواطن. وهكذا تكون الإدارة العامة حلقة الوصل بين شركات البترول التي تتحكم في كل شيء، والمواطن الذي يدفع الثمن.
والله المستعان، وربنا يلطف بعباده.