طالعنا اليوم قرار بحظر استيراد قائمة طويلة من السلع بدعوى الحد من تدهور سعر الصرف وحماية الاقتصاد الوطني. ورغم تفهم الدوافع التي تقف خلف هذا القرار في ظل الضائقة الاقتصادية، إلا أن الواقع يشير إلى أن مثل هذه القرارات، إن لم تُبْنَ على أسس دقيقة، قد تتحول من أداة إنقاذ إلى عامل إضافي في تعميق الأزمة.
إن المنطق الاقتصادي البسيط يقول إن تقليل الاستيراد قد يخفف الضغط على النقد الأجنبي، لكن هذا صحيح فقط عندما يكون الاستيراد موجَّهًا نحو الكماليات. أما حين يمتد الحظر ليشمل سلعًا أساسية ومدخلات إنتاج، فإننا نكون أمام نتيجة عكسية تمامًا.
فالقرار – بصيغته الحالية – لم يفرق بوضوح بين السلع الكمالية والسلع الضرورية، حيث شمل مواد غذائية أساسية، ومدخلات صناعية، ومواد بناء، وهي عناصر تمثل عصب الحياة اليومية والإنتاج الاقتصادي. إن منع هذه السلع لا يؤدي إلى تقليل الطلب عليها، بل يؤدي إلى ندرتها وارتفاع أسعارها، ويفتح الباب واسعًا أمام التهريب والسوق الموازي.
والأخطر من ذلك، أن حظر مدخلات الإنتاج يعني عمليًا تعطيل المصانع وتقليص النشاط الاقتصادي، وهو ما يقود إلى نتيجة حتمية انخفاض الإنتاج المحلي، وارتفاع معدلات البطالة، وزيادة التضخم. وهنا يتحول الهدف من حماية العملة إلى إضعاف الاقتصاد نفسه، وهو ما يمثل تناقضًا جوهريًا في جوهر القرار.
إن أزمة سعر الصرف في جوهرها ليست أزمة استيراد فقط، بل هي نتيجة طبيعية لاختلالات أعمق، تشمل ضعف الإنتاج والصادرات، وتراجع الثقة في الاقتصاد، وتحديات الإدارة المالية والنقدية. وبالتالي، فإن معالجة هذه الأزمة لا يمكن أن تتم عبر قرارات حظر واسعة، بل عبر سياسات متكاملة ومنظمومة اشمل تعالج جذور المشكلة.
إن التجارب الاقتصادية حول العالم أثبتت أن الحظر الشامل يؤدي غالبًا إلى ثلاث نتائج:
أولها، ازدهار السوق الأسود.
وثانيها، ارتفاع الأسعار بشكل يفوق قدرة المواطن.
وثالثها، تراجع إيرادات الدولة من الجمارك والضرائب.
وفي المقابل، فإن السياسات الأكثر فاعلية تتمثل في تنظيم الاستيراد بدل منعه، وتوجيه النقد الأجنبي نحو القطاعات الإنتاجية، ودعم الصناعة المحلية، وتحفيز الصادرات، بما يحقق التوازن بين الحاجة للاستقرار النقدي واستمرار النشاط الاقتصادي.
إن هذا القرار، بصورته الحالية، يحتاج إلى مراجعة عاجلة وشجاعة، ليس تراجعًا، بل تصحيحًا للمسار. فالقوة الحقيقية للحكومة لا تكمن في الإصرار على القرارات، بل في القدرة على تقييمها وتصويبها متى ما ظهرت آثارها السلبية.
وعليه، فإننا نأمل في:
– إعادة تصنيف السلع الواردة في القرار بشكل علمي يفرق بين الكمالي والضروري.
– استثناء مدخلات الإنتاج بشكل كامل من أي حظر.
– التحول من سياسة المنع إلى سياسة التنظيم الذكي للاستيراد.
– وضع خطة متكاملة لدعم الإنتاج المحلي وزيادة الصادرات.
– دعم المشاريع الصغير الإنتاجية وإعفائها من من كل الرسوم
##إن الاقتصاد لا يُدار بردود الأفعال، بل بالرؤية والاستراتيجية. وكلما كانت القرارات أكثر دقة واتزانًا، كلما اقتربنا من تحقيق الاستقرار الحقيقي، لا المؤقت.
…..
والسلام ختام